صدى الشعب :
يشكّل كتاب “جولة في نصف الدماغ الأيسر” لمؤلفته الدكتورة ميسون عيسى تليلان السليم إضافةً نوعية إلى المكتبة العربية، فهو عمل موسوعي فريد امتد على أكثر من ثمانمائة صفحة، توزّعت على خمسة أبواب رئيسية، وزُيّن بتسعٍ وعشرين شهادة فكرية ونقدية صادرة عن مفكرين ونقاد ينتمون إلى سبع عشرة دولة عربية. ولم يكن هذا الكتاب مجرّد مؤلَّف مطبوع، بل جاء مشروعًا فكريًا متكاملًا جمع بين دقّة التحليل العلمي وثراء البعد الإنساني، واستطاع أن يفتح آفاقًا رحبة للنقاش حول قضايا التفكير النقدي والوعي في المجتمعات العربية. ولعلّ ما يميّز هذا العمل أنه لم يكتفِ باستعراض المعارف، بل قدّم نموذجًا في كيفية تفعيل العقل النقدي في مواجهة القوالب الجامدة، والتصدي لسطوة التقليد، وإعادة الاعتبار إلى قيمة السؤال. فقد جاءت مقاربة المؤلفة لتمنح القارئ فرصة الخوض في تجربة فكرية يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، والعلمي بالوجداني، على نحو قلّما يتوافر في المؤلفات المعاصرة. كما يبرز الكتاب في سياق الفكر العربي الحديث بوصفه جسرًا يصل بين التراث والمعاصرة؛ فهو يستحضر أسئلة الهوية والنهضة في مواجهة تحديات العولمة، دون أن يقع في فخ الانغلاق أو الاستلاب. وهذا التوازن جعل منه مرجعًا جديرًا بالقراءة المتأنية، ومتنًا غنيًا بالتحليل يصلح للباحثين والدارسين على حد سواء. وقد أضفى الأستاذ الدكتور ياسر طالب الخزاعلة على هذا المشروع بعدًا جديدًا حين بادر إلى تخصيص سلسلة نقدية غير مسبوقة في النقد العربي المعاصر، تمثّلت في عشر حلقات متتابعة تناولت أبعاد الكتاب من زوايا متعددة. فقد انطلق في قراءاته من تفكيك أسلوب المؤلفة ومنهجيتها العلمية، ووقف على مصداقية المحتوى وأصالته، ثم عرّج على بنية الكتاب وتنظيمه، متأملًا نسج العقل وتحليل المعنى، ومبرزًا الحس الإنساني والتأثير الشخصي الكامن بين ثناياه. كما تناول ثنائية السكون والحركة في الخطاب، والمعالجة الوجدانية للقضايا الفكرية، قبل أن يخلص في نهاية المطاف إلى صياغة رؤية شمولية تمثّل خلاصة نقدية جامعة لهذه الأبعاد جميعًا. وتميّزت هذه الحلقات النقدية بأنها لم تقتصر على التحليل الوصفي، بل تجاوزت ذلك إلى بناء رؤية نقدية أصيلة تسعى إلى إعادة موضعة الكتاب في سياق الفكر العربي المعاصر. وقد مثّلت الحلقات بذلك إضافةً إلى حقل الدراسات النقدية، لأنها انطلقت من قراءة متأنية لا تُخضع النصوص لسلطة الأطر المسبقة، بل تسعى إلى استكشاف آفاقها الداخلية وما تختزنه من رؤى. ولم يكن أثر هذه القراءات محصورًا في الوسط الأكاديمي فحسب، بل امتد إلى الساحة الثقافية والإعلامية، حيث أثارت نقاشات واسعة بين المثقفين والباحثين حول جدوى النقد وأهميته في تجديد الفكر العربي. كما أظهرت هذه التجربة أن العلاقة بين المؤلف والناقد يمكن أن تتجاوز حدود المألوف، لتتحول إلى حوار معرفي خلاق يقوم على التكامل لا على التضاد. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه المبادرة فتحت الباب أمام مشاريع نقدية مماثلة قد تسهم في إعادة الاعتبار إلى دور الناقد العربي، وإلى حاجة المكتبة العربية إلى هذا النمط من الدراسات التي تجمع بين العمق الأكاديمي والحس الإبداعي. ولعلها تشكّل بداية لمسار جديد يربط النقد بالتحولات الثقافية والاجتماعية في عالمنا العربي. وفي ختام هذه التجربة النقدية الثرية، قدّمت الدكتورة ميسون السليم درع التميّز الفكري إلى الأستاذ الدكتور الخزاعلة، تقديرًا لجهوده الريادية في هذه المبادرة المتميّزة، مؤكّدة أنّ هذه القراءات ستُوثَّق قريبًا في كتيّب مستقل يحمل عنوان: “القراءات النقدية العشر في كتاب جولة في نصف الدماغ الأيسر”.
الرايط الإخباري :
https://shaabjo.com/news/25/08/2025/301292/